بين التطوير والاحتجاج: توسعة شارع 6 تُشعل صراع الأرض في الجليل
- عشان 48
- Dec 23, 2025
- 3 min read
في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أعلنت وزارة المواصلات والأمان على الطرق، بالتعاون مع وزارة المالية، عن استكمال الإغلاق المالي لمشروع توسيع وتحديث شارع 6 (عابر إسرائيل)، في خطوة اعتُبرت حينها محطة مركزية في دفع واحد من أضخم مشاريع البنية التحتية في البلاد. المشروع، الذي تُقدَّر كلفته بنحو 4 مليارات شيكل، يهدف إلى توسيع الشارع المركزي عبر إضافة مسارات جديدة، من بينها لأول مرة مسار مخصّص لوسائل النقل العام والمركبات ذات الإشغال العالي.
وبحسب المعطيات الرسمية، سيتم تنفيذ المشروع بنظام BOT وفي إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP). ويشمل إضافة مسار رابع بين مفترق كيسم والمفترق الحديدي، ومسار ثالث من المفترق الحديدي حتى مفترق عين توت، بطول يقارب 60 كيلومترًا في كل اتجاه، إلى جانب إنشاء مفترق جديد هو مفترق بيت نحميا. وأوضحت الجهات الرسمية أن المسارات اليسرى الجديدة ستُخصص للحافلات والمركبات المشتركة، بهدف تقليل الازدحامات المرورية وتشجيع استخدام المواصلات العامة.
وزيرة المواصلات والسلامة على الطرق، ميري ريغيف، صرّحت آنذاك أن توسيع شارع 6 “سيخدم جميع مستخدمي الطريق، سواء سائقي السيارات الخاصة أو من يختارون السفر بالحافلة، وسيساهم في توفير الوقت وتشجيع الرحلات المشتركة”، مؤكدة أن الوزارة تواصل التخطيط طويل الأمد “حتى في ظل التوترات الأمنية”. من جهته، اعتبر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش استكمال الإغلاق المالي “خطوة مهمة للاقتصاد الإسرائيلي”، تحمل رسالة استمرار البناء والتطوير.
ومن المقرر، وفق الخطة المعلنة، أن تبدأ أعمال التنفيذ خلال عام 2024، على أن تُستكمل حتى نهاية عام 2028. ويُستخدم شارع 6 يوميًا من قِبل نحو 260 ألف مركبة، ما يجعله شريان نقل مركزيًا، وتقدّر الجهات الرسمية أن التوسعة ستُسهم في تلبية الطلب المتزايد، وتحسين نجاعة الحركة المرورية، وتقليص وقت السفر لمئات آلاف السائقين.
غير أن هذا المشروع، الذي يُقدَّم رسميًا كإنجاز بنيوي واقتصادي، يواجه في الوقت ذاته معارضة متواصلة من أصحاب أراضٍ عرب في منطقة الجليل، شمالي البلاد، حيث يُهدد مسار التوسعة بمصادرة أكثر من 4000 دونم من الأراضي العربية الخاصة، تعود ملكيتها لأهالٍ من طمرة، وكابول، وجديدة المكر، ويركا، وجولس، وكفر ياسيف، وأبو سنان.
وفي 22 كانون الأول/ ديسمبر 2025، عاد ملف الأراضي المهددة بالمصادرة إلى الواجهة، مع تصعيد جديد في خطوات الاحتجاج الشعبي. الأهالي، الذين يخوضون نضالًا منذ نحو أربع سنوات، يؤكدون أن المسار القضائي وصل إلى طريق مسدود ولم يُنصفهم، ما دفعهم إلى مواصلة الضغط الميداني والمطالبة بتطبيق مبدأ “أرض مقابل أرض”، كحل عادل يحفظ وجودهم وحقوقهم.
ويشدد أصحاب الأراضي على أن اعتراضهم لا يقتصر على قيمة التعويضات المالية، بل يرتبط بجوهر أعمق، يتمثل في الحفاظ على الأرض والوجود العربي. ويعتبرون أن مصادرة الأراضي الزراعية تعني ضرب مصدر الرزق وتقليص الحيّز الجغرافي للمجتمع العربي، في سياق يرونه سياسة ممنهجة تستهدف الأرض والإنسان معًا.
جريس سَكَس من كفر ياسيف، أحد المتضررين، يقول إن “كل أرضي وأرض إخوتي، ومساحتها 52 دونمًا، مهددة بالمصادرة”، مؤكدًا أن “مطلبنا الوحيد هو أرض مقابل أرض، ولن نقبل بأي بدائل”. ويضيف أن هذه الأراضي “ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، وهي مصدر رزقنا، والأرض بالنسبة لنا هي أساس الوجود، وعندما تُسلب الأرض يتقلّص وجودنا فعليًا”.
أما المحامي إحسان كيّال من جديدة المكر، فيوضح أن نحو 54 دونمًا من أراضيه مهددة بالمصادرة، مشيرًا إلى أن الضرر لا يطال أصحاب الأراضي فقط، بل يشمل كل من يعتمد عليها في معيشته، من مزارعين وأصحاب منشآت زراعية ومزارع أبقار وأغنام، قد تواجه الهدم في حال تنفيذ المشروع بصيغته الحالية. ويؤكد أن “الأرض تعني لنا أكثر بكثير من المال، ولهذا لا يمكن القبول بأي تعويض مالي، مهما بلغ”.
من جهته، يشير سليم جريس من كفر ياسيف إلى أنه استثمر في أرضه وزرعها بأشجار الزيتون وثبّت شبكات ري، ما يجعلها أرضًا منتجة، لافتًا إلى أن “القيمة الحقيقية للدونم الزراعي في المنطقة تقارب 400 ألف شيكل، بينما التعويض المقترح لا يتجاوز 17 ألف شيكل، وهو ظلم واضح”.
بين إعلان الحكومة عن مشروع وطني ضخم في تشرين الثاني 2023، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية في كانون الأول 2025، يقف مشروع توسعة شارع 6 عند مفترق حاد بين رؤية رسمية تراه رافعة اقتصادية وبنيوية، وبين موقف الأهالي العرب الذين يرونه تهديدًا مباشرًا لأراضيهم ووجودهم. وفي ظل إصرار الدولة على المضي قدمًا في التنفيذ، يؤكد المتضررون أن نضالهم سيستمر، وأن مطلبهم سيبقى واحدًا وواضحًا: أرض مقابل أرض.